البيان العام الصادر عن المؤتمر الوطني الثاني للنقابة الوطنية للفلاحين التابعة للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي

 البيان العام الصادر عن المؤتمر الوطني الثاني للنقابة الوطنية للفلاحين

صورة من المؤتمر الوطني الثاني للنقابة الوطنية للفلاحي

إن المؤتمر الوطني الثاني للنقابة الوطنية للفلاحين، المنضوية تحت لواء الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي ـ الاتحاد المغربي للشغل، المنعقد يوم 12 يوليوز 2026 بالرباط، تحت شعار: "نقابة وطنية قوية، من أجل كرامة وحقوق الفلاحين، ومن أجل السيادة الغذائية لبلادنا"،

وبعد استحضاره للسياق العالمي الموسوم بتعقد الأزمة الدولية وانفجار النزاعات والحروب وأزمة الطاقة، وتنامي نهب ثروات الشعوب عبر تكريس التبعية وعبر القوة الغاشمة، وبالتغول اللامحدود للكيان الصهيوني والصمت المخزي للمنتظم الدولي أمام الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، مقابل صمود هذا الأخير وصمود شعوب المنطقة بقيادة المقاومة الشعبية في وجه مشاريع الهيمنة الصهيو-أمريكية.

وبعد وقوف المؤتمر عند السياق الوطني وما تعرفه الفلاحة من أزمة خانقة تسحق القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، وتكرس الأوضاع المزرية للفلاحين الصغار والمتوسطين وأسرهم وعموم القرويين، وتعمق الفوارق المجالية التي تحكم على البادية المغربية وساكنتها بالبؤس والتخلف والعزلة، رغم تعاقب المخططات والبرامج وإهدار أموال عمومية طائلة طيلة عقود.

وفي هذا السياق، فإن المؤتمر الوطني الثاني للنقابة الوطنية للفلاحين:

  • يسجل بغضب وبأسف شديد، استمرار الدولة في تركيز الموارد المالية والمائية والعقارية لبلادنا في أيدي الملاكين الكبار ولفائدة الفلاحة التصديرية، وتجاهلها المتواصل لفشل هذه الاختيارات في تحسين دخل ومحيط عيش أزيد من مليون ونصف مليون فلاح كادح.
  • يؤكد أن انفتاح الفلاحة المغربية على الاستيراد العشوائي لسلالات حيوانية بأهداف تجارية صرفة، أدى إلى مس خطير بخريطة وأنواع السلالات الحيوانية من أبقار وأغنام وماعز؛ وأصبح يهدد بفقدان قدرة قطيعنا الوطني على التكيف مع التغيرات المناخية التي تعرفها بلادنا، وقاد إلى رفع تكلفة إنتاج اللحوم والألبان، وإلى غلاء أسعارها.
  • يثير الانتباه إلى أن التفريط في البذور المحلية يكاد ينهي قدرة بلادنا على ضمان استقلالها في هذا المجال، ويعجل بوقوعها رهينة إلى الأبد لسوق البذور العالمية، مع استمرار ارتفاع كلفة شرائها واستعمالها من طرف الفلاحين.
  • يسجل بأسف شديد أن البرامج المائية في بلادنا لا تزال متركزة على 15% من الأراضي الصالحة للزراعة، مع بقاء 85% منها، التي هي أساسًا في ملكية الفلاحين الصغار، عرضة للتقلبات المناخية ولفترات الجفاف الطويلة.
  • يؤكد أن برامج الدعم التي استهدفت الفلاحين الصغار والمتوسطين، كانت في أغلبها مناسباتية وارتجالية وبأغلفة مالية زهيدة؛ فيما تحظى الفلاحة التصديرية وملاكو الأراضي الكبار ببرامج قارة وعقود دعم دائمة لمواكبة مشاريعهم من الإنتاج حتى التصدير، وبمبالغ مالية طائلة تنتهي في حسابات حفنة قليلة من المحظوظين.
  • يؤكد أن أزيد من 60% من الفلاحين الصغار غارقون في مديونية بنكية مزمنة، ناهيك عن الديون الأسرية وديون الممونين التي تلاحقهم وتجفف مداخيلهم السنوية في المواسم الفلاحية الجيدة.
  •  يسجل أن الفلاحين الصغار وحتى المتوسطين لا يزالون رهينة في قبضة شركات تحويل المنتوجات الفلاحية النباتية والحيوانية، وعرضة لابتزازها الدائم، نتيجة لاحتكار هذه الشركات أو اتفاقها على تحديد أسعار شراء المنتجات الفلاحية "الخام" دون أخذ رأي الفلاحين وممثليهم الحقيقيين بعين الاعتبار.
  • ينبه إلى أن تدهور شبكة تسويق المنتجات الفلاحية المحلية، عبر الأسواق الأسبوعية وفي المراكز شبه القروية، وفوضى أسواق الجملة تشكل مرتعًا خصبًا للمضاربين والوسطاء، وفضاءات محروسة لنهب جيوب المستهلك وقضم القسم الأكبر من الأرباح على حساب دخل الفلاحين المنتجين.
  •  يسجل، بأسف شديد، أن الفلاحين الكادحين والمتوسطين لا يزالون رهينة شبكة جد معقدة من مصادر القرار والسلطات الإدارية في مجال الفلاحة، وهو ما يجعل الفلاح تائهًا بشكل دائم بين الإدارات، فضلًا عن الفساد المستشري وآثاره السلبية المعرقلة للمشاريع الصغرى للفلاحين، المائية والعقارية والمتعلقة بالولوج للتمويل والدعم والاستشارة الفلاحية.

لكل ما تقدم، فإن المؤتمر الوطني الثاني للنقابة الوطنية للفلاحين يؤكد جازمًا أن الاختيارات والبرامج الفلاحية المتبعة منذ عقود، تجعل بلادنا خارج سكة الوصول للسيادة الغذائية، فيما تخدم بالأساس الفلاحة التصديرية والملاكين الكبار والشركات الفلاحية متعددة الاستيطان، وتوفر مجالًا خصبًا لتلاعب ومضاربات المحتكرين والمستوردين.

لذلك، ومن أجل فلاحة بديلة ترتكز على سواعد الفلاحين الكادحين والمتوسطين، وتستجيب لحاجيات السيادة الغذائية لبلادنا، وتحقق التنمية القروية الشاملة والفعلية، وبمناسبة انعقاد مؤتمرها الثاني؛ فإن النقابة الوطنية للفلاحين تطالب بما يلي:

1. ضمان كافة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لساكنة العالم القروي، نساءً ورجالًا، خصوصًا ما يتعلق منها باحترام كرامتهم وتأمين حقهم في التعليم والصحة والسكن، ورفع العزلة عنهم وتمكينهم من وسائل الرفاه والنماء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

2. تبسيط مساطر التحفيظ والتمليك وتسليم أراضي أملاك الدولة (الأملاك المخزنية سابقًا) والأراضي الجماعية/السلالية، للفلاحين الصغار وذوي حقوق الانتفاع، واستصلاح الأراضي الزراعية وتوزيعها على الفلاحين بدون أرض.

3. تنظيم تدبير أراضي الجموع والمراعي وأراضي تعاونيات الإصلاح الزراعي، والتعجيل بتصفية مشاكلها العقارية التي تعيق استغلالها الأمثل، ووضع حد لنهبها.

4. تحديث وتوسيع شبكات الري وإحداث مدارات سقوية جديدة، مع ضمان تزويد الفلاحين الصغار بمياه الري بكلفة مناسبة.

5. إنهاء خنق الاستغلاليات الأسرية وضمان تزويدها بمياه الري الضرورية، مع تشديد مراقبة حفر الآبار ومنع استنزاف الفرشات المائية من طرف الاستغلاليات المعدة لخدمة الأسواق الخارجية، والحد من هدر مياه الري.

6. التعجيل بحماية الأنهار والوديان والمرجات التي تتلقى مقذوفات صناعية ملوِّثة، وتدوير المياه المستعملة وتسخيرها في الري.

7. استرجاع المياه التي تحتكرها الشركات الكبرى الفلاحية وغير الفلاحية، وضمان حق الفلاحين الصغار في استغلالها.

8. إنشاء مرصد وطني ومراصد جهوية للتدبير المستدام لمياه الري بشراكة مع ممثلي الفلاحين الصغار والمتوسطين.

9. إنشاء صندوق تمويل ودعم خاص بالفلاحين الصغار، يهم حماية وتنمية القطيع، والتجهيز والمكننة، وحماية وتحسين البذور والسلالات الحيوانية المحلية، ووسائل الري، والتأمين وتجهيز واستصلاح الأراضي الفلاحية.

10. شطب الديون المتراكمة على كاهل الفلاحين الصغار وتوفير قروض ميسرة لهم تراعي أوضاعهم وطبيعة أنشطتهم.

11. ضمان التأمين عن الأخطار والآفات لحماية دخل الفلاحين الصغار، بجعل كلفته رمزية لفائدتهم.

12. إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الإجبارية الموجهة للفلاحين الصغار ولأسرهم، وتمكينهم منها بشكل فعلي، وضمان حقهم في الولوج للخدمات الطبية والاستشفائية، بما في ذلك توفير الخدمات الطبية الجيدة والأطر الطبية الكافية في العالم القروي.

13. وضع مخطط وطني وبرامج جهوية ومحلية للتكوين والإرشاد الفلاحي (الاستشارة الفلاحية)، تهم الفلاحين الصغار وأبناءهم، وتأخذ في الاعتبار طبيعة الفلاحة التي يزاولها هؤلاء وحجم الموارد التي تتوفر لديهم، وتستحضر وتطور معارفهم المكتسبة وتيسر نقلها للأجيال.

14. تنظيم الأسواق المحلية/القروية والأسواق الكبرى بغرض تسهيل عرض منتوجات الفلاحين الصغار مباشرة على المستهلكين، وتقليص دور الوسطاء.

15. إنشاء تعاونيات ومجموعات ذات نفع اقتصادي، ودعمها من أجل تنظيم الاستغلال التعاوني المشترك وتصدير منتوجات الفلاحين الصغار.

16. إنقاذ المراعي وحماية السلالات الأصيلة والاعتناء بالرعاة وسن قانون الجبل لإنهاء التمييز المجالي وربط التدخلات والبرامج الفلاحية بخصوصيات الطبيعة والثقافة الجبلية.

17. حماية الفلاحين الصغار من الفاعلين المهنيين وكذا الشركات و"التعاونيات" الكبرى التي تتعاقد معهم على شراء منتوجهم في إطار "عقود إذعان" تعمق تبعيتهم وتدفعهم للإفلاس في كثير من الأحيان؛ ونخص بالذكر على سبيل المثال لا الحصر: "المجمعين الفلاحيين"، وشركات الصناعات الغذائية (الحليب، السكر، الطماطم، الأرز، الزيت والفواكه الحمراء...).

18. تخفيض الكلفة الطاقية على الفلاحين الصغار وتقليص تأثيرها السلبي على كلفة الإنتاج.

19. تنظيم ومراقبة تسويق المبيدات في إطار يضمن سلامة الفلاح والتربة والمنتوج والمستهلك، وتنمية معرفة الفلاحين بالبدائل الإيكولوجية لتلك المبيدات، وتسهيل نقل هذه البدائل لبلادنا ودعم أسعارها.

20. القطع مع الهيئات المهنية والمؤسسات التمثيلية للفلاحين التي انتهت في أيدي الملاكين الكبار وتحولت للوبيات لاستغلال وتبديد المال العام والإجهاز على حقوق المستهلك المغربي؛ وإعادة بناء هيئات مهنية وتمثيلية حقيقية، تمثل الفلاحين الصغار والمتوسطين وتعبر عن انشغالاتهم الحقيقية وتبلور مطالبهم ومقترحاتهم لوضع وتنفيذ سياسات فلاحية وطنية تروم رفاه الفلاحين وتحقيق السيادة الغذائية لبلادنا.

21. تفعيل مضامين إعلان الأمم المتحدة لحقوق الفلاحين وعمال البادية، الذي وقعه المغرب سنة 2018، بما يضمن حق الفلاحين، نساءً ورجالًا، في التنمية المحلية والصحة والتعليم والمشاركة في وضع السياسات العمومية الفلاحية وتنفيذها وتقييمها وتقويمها، وتثمين خبراتهم وحماية مواردهم الطبيعية وموروثهم الثقافي واللغوي وحقهم في التمثيل والتنظيم المستقل.

وبهذه المناسبة، يطالب المؤتمر الوطني الثاني للنقابة الوطنية للفلاحين بفتح حوار جدي ومنتظم، مع وزير الفلاحة ومع مسؤولي كافة المؤسسات والمديريات التابعة لوزارة الفلاحة، يكون مناسبة للإنصات لصوت الفلاحين الكادحين، بعيدًا عن الهيئات الصورية والتمثيليات المزيفة، ومعالجة القضايا الطارئة والهيكلية التي تطرحها النقابة الوطنية وفروعها باسم عموم منتسباتها ومنتسبيها على امتداد التراب الوطني.

وفي الأخير، لا يسع المؤتمر الوطني الثاني إلا أن يقف بإجلال واحترام أمام المقاومة الشعبية الباسلة في فلسطين ولبنان، وأمام صمود الشعب الإيراني، ويبارك ذلك الصمود وتلك الإنجازات في مواجهة الوحشية الصهيونية، ويدين صمت المنتظم الدولي أمام إبادة الشعب الفلسطيني، وترويع شعوب المنطقة، ويندد بالتطبيع الرسمي مع الكيان الصهيوني الغاصب، مؤكدًا دعمه لكفاح الشعب الفلسطيني من أجل بناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس، ومقاومة شعوب المنطقة لصد العدوان الصهيو-أمريكي على أوطانها ومن أجل حماية ثرواتها.

إن المؤتمر الوطني الثاني يغتنم هذه المناسبة ليؤكد مجددًا على دور الفلاحين الكادحين والمتوسطين في حماية سيادتنا الغذائية، ويسجل في المقابل التردي المهول لأوضاعهم، ويدعو لسن سياسات ووضع برامج عمومية بمشاركتهم، لتقوية مساهمتهم في ضمان السيادة الغذائية لبلادنا وتحقيق التنمية القروية، أساس الكرامة الإنسانية لعموم القرويين ببلادنا.

**عاشت وحدة الفلاحين والعمال**

**عاشت الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي / عاش الاتحاد المغربي للشغل**

الرباط في 30 يوليوز 2026

عن المكتب الوطني، بتكليف من المؤتمر


تعليقات